بين غربان الاحتلال وعصافير فلسطين

يوميات مندوب إغاثة عربي الدكتور خالد دياب وقائع من محاولة زيارة  للهلال الأحمر القطري لفلسطين المحتلة   13/11/2002 وحتى: 27/11/2002

ابحث في الصفحة
=============

وصلت إلى مطار بن غوريون على الخطوط الأردنية قادما من عمان بتاريخ 13/نوفمبر وحطت الطائرة في الساعة 4.30 بعد الظهر وعند وصولي إلى شباك الجوازات طال انتظاري وحدثتني العاملة في الشباك عن وجود مشكلة في جهاز الكومبيوتر الخاص بها هذا قبل أن تقوم بتقليب جواز سفري لرؤية تأشيرات السفر المختلفة الموجودة عليه.

طلب مني الجلوس في مكان تابع لوزارة الداخلية ثم تم تفتيشي بدقة عندها طلبوني بأن آتي معهم إلى غرفة خاصة وبعدها رجعت إلى مكاني الأول واستغرق انتظاري حوالي الـ5 ساعات لم يوجه أي أحد لي أي سؤال إلا إذا كنت بحاجة للطعام أو الشراب وبعد فترة جاء رجلان وطلبا مني الصعود معهم للإجابة على بعض الأسئلة.

وفعلا صعدت معهم وسألوني الأسئلة المعتادة لماذا جئت إلى هنا وهل سبق لك المجيء إلى هنا وما هي طبيعة عملك وكم مضى على وصولك وانتظارك، ومن هم الأشخاص الذين أتيت أو الذين سيأتون معك، أسئلة متنوعة، بعدها طلبوا مني الانتظار حتى يخبروني بما سيقومون به.

 استغرق الاستجواب الأولي حوالي الساعة والربع وبعدها تم إخباري بأنهم سوف يرحلونني وطلبت تفسيرا لذلك لكنهم اعتذروا وسألتهم أنني أريد أن أتحدث مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر كونهم بانتظاري إذ كل مشاريعنا تم تنسيقها مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر فقالوا مسموح فقط أن تقوم بالاتصال بسفارتك.  وبعد ذلك تم أخذي إلى مكان مخصص لتسفير الأشخاص غير المسموح لهم بدخول إسرائيل واتصلت من هذا المكان بالسفارة الأمريكية وكانت الساعة في حدود الواحدة صباح يوم 14/نوفمبر وأخبرتهم ما حصل معي وطلبت منهم إخبار اللجنة الدولية للصليب الأحمر وبالفعل تحدث معي الشخص المسؤول في اللجنة الدولية بعد حوالي نصف ساعة من اتصالي بالسفارة الأمريكية وذكر لي أنه يعرف أن وجودي ضروري جداً من أجل المشاريع التي جئنا لتنفيذها وأنه سيعمل ما بوسعه مع السفارة للسماح لي بالدخول ثانية.

بعد حوالي 45 دقيقة من مكالمتي مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر طلب مني مغادرة المكان بعد أن تم وضع السلاسل في يدي وقدمي وذهبت في سيارة شرطة إلى المخفر الخاص بالمطار حيث تم تسليمي لأشخاص آخرين عدد 2 نقلوني بعدها إلى منطقة تبعد حوالي 50 كم عن تل أبيب تدعى )بتاح تكفا(، هناك يوجد مجموعة أبنية قديمة متصلة ببعضها، صعدت إلى الطابق الثاني والسلاسل بيدي ورجلي وتم تفتيش أغراضي ثانية وطلب مني حتى خلع ملابسي أيضا وتم رفض طلبي الاتصال بسفارتي أو باللجنة الدولية للصليب الأحمر.

قال لي الرائد المناوب أنني سأستطيع الاتصال بالسفارة في الصباح بعد أن يراني المحققين فأجبته ولكن ما تهمتي قال أنني جاسوس. بعدها تم نقلي إلى المعتقل الموجود بالطابق الأرضي وتم تفتيشي ثانية تماما كما حصل معي بالمرة الأولى إضافة إلى تفتيش أغراضي وتم عرضي على الطبيب وسمح لي بأخذ فقط منشفة وجاكيت وملابس داخلية، كما تم إعطائي ورقة بحاجياتي التي بحوزتهم. بعدها وضعوا عصابة سوداء على عيوني وأدخلوني في غرفة وكانت الساعة حوالي 3.45 صباحا وابتدأ مشوار الاستجواب.

يمكن أن ألخص الأسئلة بالتالي:

·  لماذا أنت هنا.......؟؟

·  مع من تعمل.......؟؟

·  مع من تتعامل في الضفة وغزة.......؟؟

·  أسماء جمعيات وأشخاص أعرفهم.......؟؟

·  مع من رتبت مشاريع الهلال القطري.......؟؟

·  كنت قد قدمت سابقا إلى هنا مع من تعاملت من جمعيات.......؟؟

·  كيف ترسلون الفلوس من قطر إلى فلسطين.......؟؟

·  لماذا يريد القطريون أن يساعدوا الفلسطينيين هذا رغم ما فعله الفلسطينيون مع الكويتيين إبان الحرب التي شنها صدام.......؟؟

·   كيف قمت بتنسيق هذه البرامج.......؟؟

·  كيف تعرف أشخاص ومؤسسات كثيرة من جامعة ميزوري ومن إيرلندا ومن ماليزيا. عندك شبكة واسعة من المعارف.......؟؟

·  هل سمعت أن أحدا ما في الهلال الأحمر القطري يريد أن يساعد فتح حماس أو الجهاد.......؟؟

·  كيف يتم إرسال الأموال إلى فلسطين من قطر.......؟؟

·  هل لي شكوك بأي من الجمعيات التي نتعامل معها كداعمة للإرهاب بمعنى أن هذه الجمعيات تطلب مساعدات وتعطينا إيصالات وأسماء غير صحيحة وبجزء من الأموال تقوم بشراء أسلحة وغيرها.......؟؟

·  وذكروا لي أن مشاريع الهلال هي مشاريع تغطية فقط وليست حقيقية!!!

·  سألوني عن سفرتي إلى أفغانستان ومن شاهدت هناك. .......؟؟؟

·  أخبرتهم بأن الأسئلة عن أفغانستان موجودة عند FBI في سفارة أمريكا في إسلام آباد، وأنني بعدها سافرت عدة مرات بدون أي استجواب.

·  هل يدعم الهلال الأحمر أسر الاستشهاديين.......؟؟؟.

·  ما رأيي بالديمقراطية بالعالم العربي.......؟؟؟

·  هل قابلت الشيخ أحمد ياسين.......؟؟؟

·  هل لي ارتباطات بحماس أو القاعدة أو فتح أو الجهاد.......؟؟؟

·   قال لي “أن أفضل نوع لمساعدة الفلسطينيين هو أن لا نحول لهم فلوس نشتري لهم طعام ونرسله من الخارج”

بقيت قيد الاستجواب 5 أيام حوالي 6 ساعات يوميا عدا الجمعة، وتم حضور شرطي برتبة مقدم مسؤول عني أخذ إفادتي وكان معه تلفوني وأغراضي الشخصية الخاصة كجواز السفر ورخصة القيادة الأمريكية. وتم تمديد اعتقالي في محكمة مدنية 5 أيام أول مرة و8 يوم المرة الثانية حين شاهدت المحامي الذي وضعه الهلال الأحمر لي السيد جواد بولص. بعدها لم يسمح له برؤيتي كما علمت منه.

يوم الثلاثاء 19/11 تم نقلي إلى سجن في القدس (المسكوبية) هذا بعد ليلة قضيتها مع عدد من الجواسيس الذين جلست مع 3 منهم لمدة ساعتين وبعدها جلست مع آخر لفترة يوم كامل وهو جاسوس خبير ذهب معي إلى السجن في المسكوبية وذكر لي أن لا أتحدث مع أي شخص سوى المسؤول الأمني وهو الشخص الوحيد الذي تضعه التنظيمات مجتمعة وهو محل الثقة الوحيد.

قضيت في المسكوبية 5 أيام في غرفة فيها 11 شخص واجتمعت بمن يلقبونه المسؤول الأمني وهو من الجواسيس الذي يدعي أنه أحد المعتقلين الفلسطينيين، وطلب مني أن أخبره بما دار معي مع المحققين وأيضا أي أمور أخرى لحمايتي الشخصية من الجواسيس والمتآمرين على المعتقلين. وأصبح يشد علي ويقول نريد أن تخبرنا من تساعد من المنظمات وما اسم الأشخاص وغيرها. حتى أنهم أحضروا لي رسالة سرية من حماس يريدوني فيها أن أتعاون مع السيد أبو صابر المسؤول الأمني وبعدها تم نقلي ثانية إلى مكان اعتقالي الأول (الزنازين) واجتمعت ثانية مع المحققين وقلت لهم خلاص لا يوجد أي شيء جديد بعد الآن فبدأ  التهديد والوعيد الخ.... ثم كانت النهاية في يوم الاثنين موعد المحكمة لي 25/11 حيث تم إخباري بأنني سأغادر إلى عمان وسألت المقدم المسؤول عني هل لن يسمح لي بعد الآن من دخول إسرائيل فأجاب مسموح لي بالدخول ومن الأفضل أن ابتعد عن المشاكل وأن أقدم طلب من خلال اللجنة الدولية للصليب الأحمر -وهذا ما فعلته أول مرة-  أو من خلال المحامي للدخول.

لا أدري ما هي الدلالات الرمزية لسرد التفاصيل، أحيانا يمضي عامل الإغاثة ساعات طويلة لإيصال لقمة أو عقار أو ملبس، ساعات الانتظار تصبح قاتلة عندما يشعر المرء بأنه يعامل كمجرم حرب: السلاسل بيدي ورجلي، وفي السيارة التي أوصلتني إلى المعتقل هناك تقسيم للأصوات والاتهامات، فهذا يقول لك ها قد ظفرنا بسمكة كبيرة اليوم، والآخر يحدثك عن ضرورة التعاون معهم والثالث يقول لك بأن تهمتك بسيطة ولا تتعدى اشتراكك في التخطيط  لعمليات إرهابية والآخر يصحح لزميله مؤكدا على  تمويل العمل الإرهابي... محاولات عديدة لممارسة الضغط النفسي.

لكن لماذا كل هذه التهم المتهالكة على آذني: هل لأنني عربي، هل هو إطالة اللحية أم أداء الصلاة؟ هل أصبحت هذه المعطيات  "أدلة سرية" للتورط  بالعمل الإرهابي؟

-لا يمكن أن تكون أتيت إلى هنا من أجل ما تقول أنك أتيت من أجله رغم كل من أتيت بهم من أطباء ومختصين من أمريكا وأيرلندة من مسلمين وعرب وغربيين ممن يهتم بقضايا الفلسطينيين .....

-الآن حدثنا عن طبيعة علاقاتك بالقاعدة نرى كما حدثتنا أنك كنت في أفغانستان؟

-نعم كنت هناك بمعرفة الحكومة الأمريكية وتحدثت على وسائل الإعلام سواء العربية بل والأمريكية أكثر من 5 مرات خلال 17 يوم قضيتها في أفغانستان وبعد أن عدت تعرضت للاستجواب من قبل أشخاص من السفارة الأمريكية قبل أن يتم السماح لي بالسفر ثانية إلى الولايات المتحدة حيث أطفالي وزوجتي... نعم أنا سعيد وفخور بأنني كنت من بين قلة بل من بين عدد لا يتجاوز أصابع اليد من المؤسسات العربية والإسلامية التي قدمت العون خلال قصف أفغانستان، ورغم كل بشاعة الغالب في أسلوب عرضه للتاريخ، لن يستطيع تغييب واقعة أساسية وهي أن المؤسسات العربية والإسلامية كانت تقريبا الوحيدة العاملة خلال هذه الفترة الحرجة وأنا فخور بأنني استطعت أن آتي بالغذاء لأكثر من 2500 عائلة من باكستان إضافة إلى الدواء ...

-لا..  لا، هل اجتمعت مع أسامة بن لادن حدثنا ...

 هكذا كل يوم 5 إلى 6 ساعات استجواب يدخل محقق ويخرج آخر ويدي مربوطتين بالكرسي وعند تنقلي بين زنزانتي وغرفة التحقيق تغطى عيوني وتوضع السلاسل في يدي...تفتيش يصل حتى أن تخلع كل ملابسك، أحياناً يسمح لك بالاستحمام فجر كل يوم خلال فترة الاستجواب..

حاولوا كل شيء وضعوني مع جواسيس (يسمونهم عصافير) من الفلسطينيين ثم وضعوا لي جواسيس على الجواسيس قضيت معهم 6 أيام أخرى ...بعثوا لي بواسطة أحد الجواسيس رسالة من ما يسمى بـالقسم الأمني بحماس ... هددوني بأنهم لا يستطيعون حمايتي في السجن إن لم أتعاون مع "ما يسمون أنفسهم بالمعتقلين". وضعوني على أجهزة لكشف الكذب مرات ومرات ... أرى نفسي صادق في سؤال وأطلع غير ذلك بسؤال آخر، ومن محكمة إلى أخرى ومن قاض إلى آخر ... ومن زنزانة منفردة إلى أخرى مترين في أقل من مترين فيها 4 أشخاص إلى أخرى منتنة الرائحة ولا يسمح لك بإدخال أي شيء تقرأه في الزنزانة... يقولون لي حكومتك لا تسأل عنك وأنت هنا ستبقى عندنا ونكرر اعتقالك مرات وشهور حتى تتعاون معنا، لأنه لا يوجد في الدنيا رجل إغاثة مسلم عربي أبدا فهذا من سابع المستحيلات الآن.

لا أخفيكم أنها تجربة كبيرة في حياتي عشت مع المعتقلين الفلسطينيين واستمعت واستمتعت بالقصص التي سمعتها وعن الصعوبات التي يلاقوها كمحتجزين... وعايشت شعور ذاك الشاب الذي لم يتجاوز الـ18 سنة والأخر الشيخ... والثالث الذي يكتب الشعر ويتحفنا بالمواويل يغني شوقا لابنته وولده الذي ينتظره ويتوقع حضوره  محملا بالهدايا كما يحلم باقي أطفال العالم... سألوني إن كنا ندعم أسر الاستشهاديين وأضافوا "مو الحق على الأولاد ، بل يجب أن تساعدوهم" ... قلت له صحيح وهل تقطعوا في إسرائيل المساعدات الاجتماعية عن أسر الخارجين عن القانون بعد اعتقالهم؟ وكنت أكرر قولي لهم هل تظنون أن كل عربي مسلم إرهابي؟ سألوني وسألوني حتى بدأت أشك في نفسي، بالله هل من المعقول أن أكون بريئا! لم لا أستطيع أن أمارس إنسانيتي كطبيب أعمل بالمجال الإنساني، هل لأني عربي مسلم ؟ هل صفة الإنسانية أصبحت حكرا على غيرنا، محرمة أن نوصف بها حتى ولو صرنا مواطنين من مواطني بلدان الشمال.

سؤال أسأله لنفسي أنى ذهبت في هذه المعمورة، أريد أن أعمل دون أن أنعت بالإرهابي أو دون أن يزج بي في غياهب المعتقلات، كم اشتقت لكلمة "شكر لجهودك" بدلا من الاستجواب ولو أن هذه الكلمة غير موجودة في قاموس الجلادين. مع أي من التنظيمات تعمل؟ وهل شاهدت فلان؟ أو سمعت أن شخصا يمكن حتى أن يفكر بيمين أو يسار؟.

كم سئمت من الانتظار حتى تثبت براءتي خلف القضبان،  وبراءة الأطفال تنتهك على بعد أميال مني ولا أستطيع أن أضم أحدا منهم لأني: أنا. أريد أن أضمهم  إلى صدري من جديد، أريد أن أراهم يركضون جنب دراجتي، خلف سيارتي، أمشي معهم في صحاريهم، يسمعونني ما حفظوه من القرآن أو ما اكتسبوا من معارف، أصلي مع من يصلي منهم ونتقاسم الطعام في بيوتهم. أوزع هدايا العيد لهم، فأرى الفرحة على وجوههم، أداوي مريضهم فتلهج الأم بالدعاء والعيون بالدموع. لا لن أتراجع حتى ولو كلفني ذلك أن أزور معتقلات العالم كله. لا لن أقتل حلم بنيتي وولدي بأن يكونوا في المستقبل كأبيهم.

 * ناشط بارز في العمل الإنساني

 عودة               

الصفحة الرئيسية

انتهاكات الجمعيات

انتهاكات العاملين

مكتبة فنية

مواقع صديقة

طلب عضوية

لمراســـــلتنا

 

all rights reserved to international bureau of humanitarian ( I B H )  2004 - 2007 © جميع حقوق النشر محفوظة لموقع المكتب الدولي 

www.humanitarianibh.net          ibh.paris@wanadoo.fr

Tel&Fax: 0033147461988