|
لمناقشة
تقرير التنمية الانسانية العربية 2005 م
قبل البدء بتقديم الاستخلاصات, تجدر الاشارة الى النقاط
الرئيسية التالية:
1-
ان تقارير التنمية الانسانية الاربعة الصادرة منذ عام
2002 , اجمعت على ان عوامل الفقر, نقص الحريات, والاحتلال الاجنبي هي
المعوقات الرئيسية امام تقدم اوضاع المراة العربية, وامام تقدم التنمية
البشرية بشكل عام.
2-
ان موازين القوى العالمية / والاجتماعية العربية, تشير
الى اختلالات كبيرة لغير صالح قوى التقدم والتحرر, لذلك فالمعركة التي
تخوضها المؤسسات النسوية وكل القوى الاجتماعية المتحالفة معها, لا تقوم
بين قوى متكافئة, وعليه فاننا نستخلص ان النجاحات والانجازات يمكن
احرازها بالنقاط وبالتراكم التدريجي.
3-
وردت كثير من العناصر الهامة في مناقشات اللجان, يمكن
تضمينها لبرامج ومهمات العمل اليومية للمنظمات النسائية, وتعميقها حسب
واقع المجتمعات العربية وقوانينها, يعني انه ليس بالضرورة ان تتكرر في
هذه الاستخلاصات التي تركز على فتح افاق امام المنظمات النسائية وسط
التعقيدات الكبيرة السياسية والاجتماعية التي تزداد يوماً بعد يوم.
4-
بناء على ذلك هل يمكن لنا ان تقدم اجوبة على الاسئلة
الكبيرة المطروحة في مجتمعاتنا وفي اوساط مكونات الحركة النسوية
العربية؟
هذا ما يمكن ان نجتهد به دون ادعاء, فالاجوبة ستقدمها
الانجازات المتراكمة على كل حال بناء على وضوح الرؤيا, وتحديد الاطار
العام الذي ستعمل على اساسه المؤسسات النسوية العربية.
العنوان الرئيسي لتقرير التنمية الانسانية 2005 م هو" نحو
نهوض المراة العربية ", وفي ختام التقرير تمت دعوة المجتمعات
العربية لوضع مشروع نهضوي للمراة العربية, في مجابهة التحديات الكبرى
امام نمو حركتها وتطوير دورها وتجاوز العقبات التي تواجهها...
لقد اصاب التقرير فعلا بتوجيه هذه الدعوة, التي يمكن
لها لو تحققت ان تقدم جوابا على القضايا الرئيسية التالية في هذه
الاستخلاصات:
1-
تناولت تقارير التنمية الانسانية الصادرة منذ عام 2002
م, وكذلك تقارير التنمية البشرية الصادرة عامي 2005 / 2006 , نتائج
سياسات العولمة والليبيرالية الجديدة على التحولات الاجتماعية النوعية
في بلداننا العربية والتي يمكن تلخيصها بوقف او اعاقة التنمية البشرية
واعاقة تقدم المراة العربية. علينا هنا ان نحدد طبيعة الصراع الذي يدور
في منطقتنا, فهو ليس صراعا ايديولوجيا بين قوى الليبيرالية المحافظة
والاتجاه السياسي الاسلامي المتطرف, وانما الصراع يدور اساساً على
المصالح المباشرة لهذه القوى التي تعمل على نهب ثروات المنطقة /
تحديداً النفط / وكل ما ينتج عن ذلك من حروب ومصادرة السيادة الوطنية,
واعادة ترتيب الجغرافيا السياسية من جديد من موقع ترسيخ التبعية
السياسية والاقتصادية.
ان الانقسامات الحادة التي تعيشها المجتمعات العربية,
قد اعادت انتاج عوامل التخلف والجهل, وعصفت بانجازات الحركة الجماهيرية
/ ومنها الحركة النسوية العربية, فزادت مساحات الققر بشكل لم يسبق له
مثيل, وتكرست قوانين تغييب الحريات الاساسية, الامر الذي زاد
الانقسامات الافقية في المجتمعات العربية, هذا الى جانب افتعال
الصراعات العرقية والطائفية والمذهبية التي اسهمت هي الاخرى في
الانقسام العامودي في المجتمع الواحد ( العراق, لبنان , فلسطين ).
كل هذا يعني ان لدينا الان قوانين جديدة في الصراع,
احدثتها سياسات " الفوضى الخلاقة " العنصرية والعدوانية, بعيدا عن
الادعاءات الديمقراطية وحقوق الانسان والمساواة الاجتماعية.
2-
تراجع الدور الشمولي والاجتماعي للمؤسسات الاهلية
العربية, ومنها المؤسسات النسوية, في ظل تصدع الوحدة الداخلية في
المجتمعات العربية نفسها, ففي الوقت الذي كانت فيه ادوار رئيسية لهذه
المنظمات, في مراقبة السلطة التنفيذية والضغط عليها وفرض مشاركتها في
صنع القرار, ( تحديدا في مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار ) اصبح لها
الان دور اخر مثل التخفيف من المعاناة الاجتماعية للفئات الفقيرة
والمهمشة. بسبب السياسات الاقتصادية الجديدة المفروضة من صندوق النقد
والبنك الدوليين .. فقد ادت سياسات الخصخصة الى اضعاف مقومات الاقتصاد
الوطني المستقل لصالح الشركات الكبرى العالمية العابرة للقارات.
وقد جاء تهميش دور المؤسسات الاهلية – ومنها المؤسسات
النسوية – ضمن سياق منهجي طرحه ما يسمى بمشروع الشرق الاوسط الكبير
والمطالبة باصلاحات ديمقراطية في البلدان العربية, حيث برز فيها موضوع
المراة هدفا رئيسيا لهذه الاصلاحات.
وفي مواجهة هذه المستجدات برز اتجاهان واضحان في الحركة
النسوية العربية:
أ-
الاتجاه المحافظ الذي رفض التعامل مع هذه المستجدات,
وابقى على برنامجه وهياكله التنظيمية دون مراجعة او تطوير رغم التحولات
الاجتماعية التي وقعت, ونتيجة لهذا التقوقع والهروب الى الخلف, فقد عزل
اصحاب هذا الاتجاه انفسهم عن المشكلات الاجتماعية المتفاقمة ولم
يتقدموا باية مساهمات فاعلة لتزويد الحركة النسوية بمشروعها الوطني
الخاص.
ب-الاتجاه
الذي تبنى سياسات الليبيرالية الجديدة على الصعد التنموية والثقافية
تحت عناوين الحداثة والتقدم, ولكن بمضامين اجتماعية محايدة وغير جدية.
هذا الاتجاه الهارب الى الامام على وقع التحولات الكبيرة... عزل نفسه
ايضاعن الكم الهائل من المشكلات الاجتماعية التي وقعت بسبب السياسات
الجديدة وانعكاسها على مجتمعاتنا العربية, وعلى القطاعات النسوية منها
بشكل خاص, بسبب كونها تنتمي للفئات الاجتماعية المقهورة والمهمشة.
ان الرد على كلا الاتجاهين وعلى مجمل السياسات التي
حملتها الليبيرالية الجديدة هو بتبني تطوير البنى المؤسسية النسوية
وتوحيدها على اسس ديمقراطية تاخذ بالاعتبار المستجدات الاجتماعية
والاقتصادية وتطور اليات عملها ونظمها الداخلية على اساس ضمان مشاركة
القواعد الشعبية النسوية في صنع القرار للدفاع عن مصالحها وحقوقها
المهدورة ومن اجل تحصينها في مواجهة الصراعات الاهلية والداخلية.
ان الخطاب الوحدوي الديمقراطي هو ضروري حقا في معالجة
الاثار التدميرية للخطاب الانقسامي والفئوي داخل المجتمع الواحد.
3-
ان المشروع النهضوي النسوي اذا ما قدر له ان يتحقق,
يشكل جزءا عضويا من المشروع النهضوي العربي بشكل عام, وبدونه يبقى هذا
المشروع قاصرا, فالمراة العربية في كل المساحات الاجتماعية, تعاني -
كما اوضح تقرير التنمية الانسانية بالاحصاءات والحقائق – بسبب تدني
مستويات المعيشة, وتدهور خدمات الصحة والتعليم ودعوتها من قبل
الاتجاهات المتطرفة للانحيازات الطائفية والعرقية على حساب تقدم
اوضاعها في المستويات الاجتماعية.
كما ان الحركة النسوية العربية نفسها تعاني من
الانقسامات والاستقطابات الحادة على مستوى المجتمع الواحد / وعلى
المتسوى العربي عموما... هذه الاستقطابات هي التي تنتج ظواهر التطرف
الفكري والسياسي والديني... وهي التي تؤدي الى تفتيت وحدة المجتمعات,
بالضد من الديمقراطية, والاصلاح السياسي والاجتماعي الذي نادت به
الحركة الجماهيرية العربية وناضلت من اجله منذ عشرات السنين.
هذا المشروع المشار اليه يمكن ان يتبنى خطابا مطورا
يقوم اساسا على التصدي لهذه الانقسامات. خطابا وحدويا يتضمن المساواة
الاجتماعية والمساواة في حقوق المواطنة والمساواة بين الرجل والمراة.
4-
الديمقراطية المؤسسية الغائبة: ليس المقصود هنا اشاعة
مناخ الحريات على اهمية هذا العنصر في الحياة الاجتماعية, ولكن قوننة
الديقمراطية والحريات أي صيانتها بقوانين واضحة وصريحة, ووضع اليات
مؤسسية لتطبيقها وهنا لا بد من الاشارة الى ضرورة تعديل, او تطوير, او
نشؤ القوانين الخاصة بالانتخابات البرلمانية على اساس التمثيل النسبي
الكامل.. وهذا يعني انصاف تمثيل كل القوى الاجتماعيةفي اعلى سلطة
تشريعية وافساح المجال امام النساء الرائدات, واللاتي يمكن ان يقمن
بادوار متقدمة في مجتمعاتهن, للفوز في للقوائم النسبية.
التطورات الايجابية التي وقعت في عدد من من البلدان
العربية حول تعديل قوانين الاحوال الشخصية يجب ان تحفزنا الى مزيد من
التطوير ومراجعة هذه القوانين التي من شانها افادة الفئات النسوية
الاكثر تهميشا وفقرا.
كما ان القوانين التي تنظم علاقة العمال بارباب العمل,
بحاجة الى مراجعة وتطوير لصالح المراة العاملة, وجنبا الى جنب مع تطوير
هذه القوانين, ينبغي رفع الحظر عن تاسيس النقابات العمالية, او
احتوائها والسيطرة على قراراتها, لتكون اليد الحرة المدافعة عن مصالح
العمال على اساس قوانين منصفة وعادلة.
وفي هذا الاطار لا بد من التطرق الى مراجعة نظم وقوانين
داخلية للمؤسسات الاهلية نفسها والنسوية منها بشكل خاص, فنحن لا نستطيع
ان نطالب الانظمة السياسية الرسمية بالديمقراطية, في الوقت الذي تناى
فيه مؤسساتنا عن تطوير علاقاتها الداخلية من جهة, وعلاقاتها مع جمهورها
من جهة اخرى.
5-
ان التعامل مع موجبات تقدم المراة العربية على اساس
انها قضية وليست دعوة تبشيرية, وكونها قضية عادلة فهي تستلزم وضع
مهام واليات وبرامج عمل, ومؤسسات جادة لحمل هذه القضية ورفع شعاراتها
والعمل بشكل حثيث من اجل تحقيق اهدافها بعيدا عن النخبوية, وادارة
الظهر للجمهور النسوي وقواعده العريضة.
في هذا الصدد لا بد من اعادة الاعتبار لبرامج عمل
ومهمات بسيطة وسلسة وقادرة على الوصول الى المصالح المباشرة للنساء
واقناعهن بالانتظام في عمل جماعي من اجل الدفاع عن هذه المصالح بوسائل
سلمية يتيحها القانون والدستور وحقوق المواطنة.
6-
في مواجهة سطوة العولمة و ثقافتها و اليات هيمنتها كما
تفرضها الليبيرالية الجديدة ، علينا ان نؤسس ليس فقط لنقد ثقافة
العولمة الرأسمالية و قوانينها و انما النضال من اجل عولمة بديلة
لتلك التي تفرضها قوى الهيمنة الرأسمالية ، و على قاعدة صراع الاضداد ،
و هناك فئات اجتماعية واسعة تزداد يوما بعد يوم متضررة و مهددة بسبب
سياسات عولمة الرأسمالية ، و لذلك نشهد جماعات مناهضة العولمة في الغرب
التي تسعى لبناء شبكات تضم الاف الجمعبات و ملايين المتطوعين و جماعات
حماية الصناعات الوطنية ، و انصار البيئة و الاتحادات و النقابات
العمالية و منظمات الشباب و المرأة .
نحن لسنا قادرين بالتأكيد على التصدي لهذه المهام في
الظروف الموضوعية و الذاتية الشاقة التي نعيشها, بعيدا عن بناء تحالفات
جدية مع القوى النسائية الحليفة لنا في العالم.
وعليه نسأل انفسنا .. نحن الذين ندافع عن حرية و كرامة
المرأة و الانسان :
من هم حلفاؤنا ؟ و اين هم ؟ انهم موجودون في هذا العالم
بالتأكيد ، و مثلما ان للقوى الرجعية حلفاء ، فللقوى التقدمية حلفاؤها
ايضا على المستوى العربي و العالمي .
اننا معنيون بتطوير علاقاتنا المشتركة على المستوى
الوطني و العربي و العالمي.
و كما اشار تقرير التنمية الانسانية 2005 ، فإن الخطاب
الدولي النسوي كان له اثر ايجابي في ادخال مفاهيم جديدة حول حقوق
الانسان تحديدا، و نحن نقول هنا ان هذا الخطاب متنوع و مركب ففيه
الايجابي المشار اليه، و فيه السلبي الذي يدعو منظماتنا النسائية
العربية لتحويل برامج عملها في خدمة ثقافة الليبرالية الجديدة.
في نفس الوقت علينا الا نغفل وجود منظمات عالمية و غربية تتماثل
برامجها مع المضمون التحرري و الديمقراطي لبرامج عملنا، وهي مستعدة من
مواقعها ان تسند برامج عملنا و بشيء من التدقيق فهي تناهض خصمها
"الليبرالية الجديدة" من موقعها و بأساليبها الخاصة. هذا الانفتاح
الضروري و مأسسته هو حلقة في سلسة طويلة لمناهضة العولمة الرأسمالية
المتوحشة .
7-
تطورت و تعدلت البرامج النسوية على امتداد القرن
العشرين . الخلاصة الاهم هي ضرورة الجمع بين المضامين الديمقراطية
السياسية و الديمقراطية الاجتماعية ، دون ان يشكل احدهما بديلا عن
الاخر او يحل محله .
فقد علمتنا ، بل صدمتنا التجارب العربية المتعددة ..
تجارب الاحزاب و المنظمات الاهلية التي تسوق الشعار الوطني على حساب
الاجتماعي ، ثم سرعان ما يتكشف ان هذا الشعار هو لخدمة الفئات الحاكمة
و تحالفاتها .
البرنامج الاجتماعي في اطار البرنامج الوطني العام هو
الذي يمكن ان يميز المنظمات النسوية الجادة الساعية نحو التغيير على
نحو حثيث ، متدرج و طويل النفس .
8-
تطوير المفاهيم و المصطلحات في لغة الخطاب للمؤسسات
النسوية و التدقيق في خطاب المؤتمرات الدولية الخاصة بالمرأة .. فنتائج
هذه المؤتمرات هي محصلة موازين قوى دولية و اجتماعية، لذلك نلمس الفرق
الهائل بين النتائج المتقدمة لمؤتمر المكسيك عام 1975م الذي ادان
الصهيونية بصفتها حركة عنصرية تعيق تقدم المرأة العربية و المرأة
الفلسطينية بشكل خاص، و بين نتائج مؤتمر بيجين التي تواطأت مع متطلبات
الليبرالية الجديدة في المجتمعات الفقيرة و النامية، ولم توجه ادانة
واحدة لمن يقف وراء كوارث الاحتلال والفقر والتمييز وكل اشكال
الاستغلال المهين للمرأة.
ان تطوير العقل النقدي الجمعي للمؤسسات النسوية هو مهمة
اصيلة و تدخل في باب تصويب اتجاهات العمل الدولية ، او اضعف الايمان
لنرفع نقطة نظام في وجه ثقافة جديدة تسعى الى التماهي مع متطلبات
التحديث المزيف تكتسح مؤسساتنا النسوية و تشكل تهديدا لتماسكها و صلتها
مع جمهورها النسوي العريض.
اشكركم
عبلة محمود ابو علبة
عمان 18 / 6 / 2007
عودة
|