شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر أمس، حملة عسكرية واسعة
النطاق على المؤسسات الخيرية والتعليمية والثقافية في محافظة
نابلس شمال الضفة الغربية، وصادرت مقتنيات عد كبير منها، فيما
أصدرت قرارات بإغلاق ستة من المؤسسات التي داهمتها لفترات
متفاوتة.
وذكرت مصادر محلية وشهود عيان لمراسلنا، أن أكثر من 120 آلية
عسكرية إسرائيلية داهمت مدينة نابلس من مختلف مداخلها عند
الساعة الثانية عشرة من الليلة الماضية، وشرعت باستكمال ما
بدأته من حملة ضد الجمعيات والمؤسسات الإسلامية في المدينة أول
أمس، بحجة ما أسمته محاربة حركة المقاومة الإسلامية "حماس"
وتجفيف منابع الدعم والتحكم بمصادر نفوذها، والتضييق عليها في
الضفة.
وأوضحت المصادر أن أعداداً كبيرة من الآليات العسكرية حاصرت
عدة بنايات قبل أن تقتحمها وتداهم بعض الجمعيات وتصادر
محتوياتها، وتصدر أوامر بإغلاقها لمدة عامين بعد أن أصدرت، أمس
الأول، قراراً بإغلاق أربع من الجمعيات الأخرى في ذات المحافظة
لمدة ثلاثة أعوام.
وبحسب المصادر الأمنية فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي وفي خطوة
خطيرة أصدر قراراً بإغلاق مبنى "المول التجاري" في محافظة
نابلس، وعلق منشوراً على مدخل البناية أعلن من خلاله بأن ملكية
المول ستتحول إلى الإدارة العسكرية الإسرائيلية ابتداء من
تاريخ 15/8، وهدد كل من يقوم بالدخول إليه بعد هذا التاريخ
بالسجن لمدة 5 سنوات.
وبرر جيش الاحتلال خطوته ضمن "مكافحة المنظمات الإرهابية".
من ناحيته، أكد زياد عنبتاوي عضو مجلس إدارة مول نابلس أن هذا
القرار الإسرائيلي غير قانوني وان محامي المول سوف يقوم
بمتابعة الإجراءات القانونية لوقفه.
وشدد عنبتاوي على أن مول نابلس ملك عام أمام المواطنين بشكل
اعتيادي، ويستقبل كافة المواطنين، مناشداً الجميع بعدم الرضوخ
للاملاءات الإسرائيلية التي وصفها بالظالمة.
الجمعيات المستهدفة
وبالإضافة إلى إغلاق مبنى المول التجاري ومصادرة بعض محتوياته،
فقد أغلق الجيش الإسرائيلي ستة جمعيات خيرية اجتماعية في
المدينة بحجة تمويلها نشاطات لمنظمات "إرهابية" لمدة عامين كما
جاء في قرار الإغلاق بعد أن صادر كافة محتوياتها وهي جمعية:
نفحة لمتابعة شؤون الأسرى بنابلس. واتحاد النقابات الإسلامية.
والجمعية العلمية الطبية .وجمعية يازور الخيرية في مخيم بلاطة
وجمعية البسمة في مخيم عسكر إضافة إلى اقتحام مصلى النساء في
مسجد الهدى في مخيم عسكر الجديد واقتحام مقر جمعية التضامن
الخيرية للمرة الثانية خلال يومين.
كما داهم جيش الاحتلال المدرسة الإسلامية للإناث، ومستوصف
التضامن الطبي، ونادي التضامن الرياضي، ومسجد الروضة للمرة
الثانية على التوالي، وداهم مقر منتدى الخريجين الثقافي.
وتعتبر حملة استهداف الجمعيات الخيرية تلك هي الأوسع والأخطر
في الضفة الغربية نظراً للآثار الكارثية التي ستصيب شرائح
كثيرة من المجتمع الفلسطيني، فبعد أن كانت الآثار مقتصرة على
الأيتام والفقراء والمساكين وطلبة العلم، طالت هذه المرة
التجار في مدينة نابلس المنهكة أصلا بفعل الاقتحامات اليومية.
ومن المعروف بأن مبنى المول وحده يحتوي على عشرات المحال
التجارية التي ينتفع منها مئات الأشخاص والعائلات.
ردود فعل غاضبة
وصدرت منذ ساعات صباح أمس العديد من ردود الفعل الوطنية
والفصائلية والمؤسساتية والشعبية الغاضبة التي استنكرت اعتداء
قوات الاحتلال على تلك المؤسسات، ودعت للتصدي لها.
فقد دعت لجنة المؤسسات والفعاليات الوطنية والإسلامية في نابلس
إلى الإضراب التجاري الشامل اليوم الأربعاء، وثمنت قرارات
التجار بالتصدي لقرار إغلاق نابلس مول، وعدم الانصياع لقرارات
الاحتلال الإسرائيلي بحق مؤسساتهم التجارية.
كما دانت حركة "حماس" في الضفة الغربية اعتداءات الاحتلال في
نابلس، واصفةً إياها بغير المسبوقة، وأنها تستهدف المجتمع
الفلسطيني ومواطنيه في أرزاقهم ومصالحهم الخاصة والعامة،
متسائلةً عن دور السلطة الفلسطينية وقيادتها في التصدي للقرار.
ودان النواب الأسرى في سجون الاحتلال من كتلة التغيير والإصلاح
البرلمانية حملة الاحتلال الشرسة وقالوا إنها تهدف لحرمان
الشعب الفلسطيني من دور هذه المؤسسات الفاعل على صعيد تقديم
الخدمات في مواجهة عدوان الاحتلال، وتضييقه على أبناء المحافظة
وحصاره المشدد والمتواصل لها منذ ثمانية سنوات.
أما الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال من أبناء محافظة
نابلس، فدعوا في بيان أصدروه أمس من سجن النقب الصحراوي أهالي
المحافظة للتكاتف، والعمل سوياً للتصدي للحملة الصهيونية على
المؤسسات الخيرية في المحافظة.
من ناحيته، استنكر مركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان
قرار الجيش الإسرائيلي القاضي بإغلاق جمعية نفحه لشؤون الأسرى،
معلناً أنه يضع كافة إمكانياته تحت تصرفها، على اعتبار أن
الجمعية المستهدفة هي من أقوى وأفضل الجمعيات الموجودة على
الساحة الفلسطينية التي تعنى بشؤون المعتقلين الفلسطينيين.
ومن ناحيتها عبرت بلدية نابلس عن استيائها وشجبها الشديدين
للقرار الإسرائيلي المفاجئ والجائر والقاضي بإغلاق مبنى نابلس
مول التجاري الواقع غرب المدينة، والذي يحتوي على العديد من
المحال التجارية والكافيتيريات والمطاعم ومؤسسات حكومية مثل
وزارة الشؤون الاجتماعية، بالإضافة إلى إغلاق عدد من الجمعيات
الخيرية التي تقدم خدمات إنسانية مختلفة للمواطنين.
هآرتس: الحملة المتواصلة
وكانت صحيفة هآرتس العبرية ذكرت في عددها الصادر أمس أن جيش
الاحتلال سيبدأ قريبا حملة ضخمة ضد كافة مؤسسات حماس الخيرية
والتعليمية والخدماتية في الضفة الغربية المحتلة بهدف إغلاقها
ومصادرة محتوياتها.
وقالت الصحيفة إن رئيس وزراء الاحتلال ووزير حربه والأجهزة
الأمنية الإسرائيلية أقرت الخطة التي تهدف إلى حرمان حماس من
كافة مؤسساتها الخيرية والخدماتية في الضفة المحتلة، موضحة أن
الحملة التي بدأت في الخليل ورام الله وقلقيلية ستمتد إلى باقي
قرى ومدن الضفة دون توقف إلا بإنهاء الوضع المؤسساتي لحماس في
الضفة واستئصاله.
ونقلت الصحيفة عن مصدر عسكري إسرائيلي زعمه أن العملية تهدف
إلى منع سيطرة حماس على الضفة، مدعيةً أن الحركة باتت تسيطر
على كثير من المؤسسات حتى التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية،
وأن الجهد الأمني الجديد بالتواصل مع الجهد العسكري الاستخباري
يهدف إلى تقوية العناصر الفلسطينية المعتدلة، ومنع امتداد حماس
للضفة والسيطرة عليها.
وتقول المصادر إن العملية ستشمل مصادر التمويل وحتى المصانع
الصغيرة والمدارس، وكل ما تصل إليه تحقيقات جهاز الأمن
الداخلي، وذلك بعد أن تم الحصول خلال الأسبوع الماضي على
موافقة قانونية من الدولة.
ويقول مسئولون عسكريون إسرائيليون إن البنية التنظيمية التي
أسستها حركة حماس في السنوات الأخيرة يمكن أن تكون أساساً
لبناء " دولة جمعيات" ويضيفون: "حماس تكتسب يوماً بعد يوم
تأييدا شعبياً متزايداً، وتعتمد مؤسسات حماس على تمويل كبير من
الخارج في بناء مؤسساتها، بالأساس من مؤسسات في السعودية ودول
الخليج والجاليات المسلمة في أوروبا والولايات المتحدة وجنوب
أمريكا.
وقد أغلقت سلطات الاحتلال في الفترة الأخيرة مركزاً تجارياً في
الخليل بذريعة علاقته بجمعية إسلامية مرتبطة بحركة حماس. كما
أغلقت ورشات أعمال خياطة وصادرت حافلات ركاب تابعة لشركة
سفريات تمتلكها جمعية إسلامية، وأغلقت مكاتب ومخازن ومصالح
تجارية أخرى.
وفي الخليل، منع جيش الاحتلال فتح مدرسة جديدة في بناية تم
تشييدها بزعم علاقتها بمؤسسة مرتبطة أو مقربة من حركة حماس.
ومن بين المؤسسات التي اقتحمتها قوات الأمن في الضفة الغربية
مؤسسات تربوية وصحية ودور أيتام وجمعيات زكاة. وأغلقت عشرات
الجمعيات وصادرت محتوياتها.
يذكر أنه في نهاية عام 2007 أقيم في قيادة منطقة المركز،
بمبادرة قائد المنطقة غادي شميني، طاقم خاص هدفه محاربة البنية
الاجتماعية لحركة حماس. وهو طاقم مشترك للشاباك والإدارة
المدنية والشرطة. وتم تعزيزه مؤخراً بقوات من وحدات مختلفة في
الجيش ومن أجهزة الأمن وضُم إليه مستشارون قانونيون.
كما تم تعزيز الطاقم بعدد من المترجمين لاستخدام الوثائق التي
تضبط في تلك المؤسسات كدلائل إدانة من أجل تقديم لوائح اتهام
ضد مسئولي وناشطي الجمعيات والمؤسسات.
يذكر أن عشرات لوائح الاتهام قدمت حتى الآن ضد موظفين ومسئولين
في مؤسسات وجمعيات مقربة من حركة حماس، وأدين عدد من
الفلسطينيين المرتبطين بتلك المؤسسات، وحكم على قسم منهم
بالسجن الفعلي.
كما تدير شرطة الاحتلال عدداً كبيراً من ملفات التحقيق ضد
فلسطينيين وتوجه لهم تهما تتعلق بـ"تبييض الأموال ودعم
الإرهاب".
ويقول ضابط رفيع المستوى في جيش الاحتلال لهآرتس إن " العائق
الوحيد أمام سيطرة حماس على الضفة الغربية هو الجيش، حيث إن
نشاطاته في مدن الضفة الغربية تحد من قدرة حركة حماس العسكرية
وتمنعها من تشكيل تهديد على السلطة الفلسطينية".
ويضيف:" لقد فازت حماس في الانتخابات الأخيرة في قسم كبير من
البلديات والمجالس المحلية الفلسطينية، وهي تسيطر تدريجياً على
مؤسسات تربوية وصحية، ومؤسسات اجتماعية ودينية".
ويضيف: "نحن نتحدث عن تعزيز قوة الجهات المعتدلة أي السلطة
الفلسطينية ولكن سيطرة السلطة الفلسطينية عملياً ضعيفة على
الأرض، فحماس سيطرت على كافة الجمعيات والمؤسسات، وليس فقط على
جمعيات إسلامية محضة، بل أيضا على مؤسسات كانت في السابق تابعة
للسلطة. كما أن الجمهور الفلسطيني يفضل حركة حماس لأنها أقل
فسادا وأكثر نجاعة في العمل "، موضحاً: "هناك قفازات لم تنزعها
(إسرائيل) عن يديها بعد، يجب أن تكون المعركة سياسية وتشارك
بها كل الدولة".
استهداف أجهزة الكمبيوتر
ومن خلال تتبع مصادرات الاحتلال لمحتويات الجمعيات الخيرية
وغيرها، فقد تبين أن الحواسيب تفتح شهية الجميع في استهدافها
ومصادرتها دون وجه حق أو مستند قانوني، وقد تصدرت الحواسيب رأس
المصادرات لما يعتقد الاحتلال أنها تحتوي على المعلومات
الكفيلة بمعرفة نشاطات الجمعيات أو الأفراد.
مصادرة الحواسيب التابعة للجمعيات أو الأفراد ليس فقط من قبل
الاحتلال، بل تقوم الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية
الفلسطينية بمصادرة الحواسيب الشخصية التابعة لأفراد أو حتى
للمؤسسات والجمعيات دون تفرقة أو احترام لخصوصيات المواطنين،
حيث يقوم أفراد من الأجهزة الأمنية متخصصون بفتح الحواسيب،
وإجبار الأفراد على فتح الاميلات والماسنجر للاطلاع على
محتويات الحاسوب.