|
1)
الملخص التنفيذي:
لعبت ثلاثية العنف
والسياسة والتسييس دوراً خطيراً في تعرية العمل الإنساني وفقدانه لعناصر
مناعته الذاتية، (الحياد، الاستقلالية، عدم الانحياز)، والتي بدورها أدت
إلى تقويض المثلث الأمني الوقائي المتعارف عليه( القبول، الحماية، الردع)،
وبالتالي أصبح العمل الإنساني الهدف الأسهل وصولاً، لكن أيضاً الأكثر
تعبيراً عن خطورة الأوضاع. هذا الوضع المتردي وما ترتب عنه من حوادث أمنية
واستهداف متكرر، شكل حافزاً لموضوع التقرير هذا العام، حول آليات ووسائل
حماية العمل الإنساني ذاته، بعد أن كان هو نفسه عامل حماية. فكان لابد من
التطرق إلى مفهوم الحماية بشكل عام وتطور آلياته عبر التاريخ، ومن ثم
الأسباب التي أدت إلى تقويض أمن العمل الإنساني بدءاً من القصور القانوني
ومحاولات زج هذه المنظومة في التحالفات الدولية خدمة لأصحاب المصالح
وانتهاءً بأعمال العنف والعنف المضاد التي تشهدها ساحات الصراع المفتوحة
والتي جعلت العمل الإنساني جزءاً من المعركة. من هنا نشأت الحاجة إلى اتخاذ
تدابير أمن وقائية، وجعلها جزءاً لا يتجزأ من البرمجة الجيدة للعمل
والعمليات الإنسانية ككل، وهذا ما سنراه في القسم الأول من التقرير.
دفع العنف الموجه،
والذي أدى لمقتل 6 من العاملين في اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 1996
في الشيشان، إلى التنبه للخطر المتنامي وأدى لإطلاق العديد من المبادرات
التي أدت إلى وضع إستراتيجية توجيهية عبر دليل أمني توجيهي عرف باسم (GPR)[i]،
أي الممارسة الجيدة في إدارة الأمن، حول كيفية إدارة المخاطر في البيئات
غير الآمنة وذلك في عام 2000. وقد جرى تطويره لاحقاً في ديسمبر العام
2010، هذا الدليل الأمني يعتبر بمثابة مرشد توجيهي لكافة أفراد الفريق
العامل، ويتوجب على جميع الوكالات العاملة في بيئات الصراع المسلح تبنيه
والاسترشاد به. يقدم الدليل أفكاراً عملية حول كيفية الإدارة الأمنية
للعمليات الإنسانية في بيئة الصراع، منهجاً لتقييم وتحليل المخاطر، تعريفاً
بعناصر المثلث الأمني الوقائية عبر إستراتيجية أمنية، كما يعطي فكرة عن
ضرورة التثقيف الأمني من خلال دراسة أمنية لوضع المنطقة المراد الذهاب
إليها، إدارة تبادل المعلومات، الرصد والتوثيق، كتابة التقارير الأمنية
بشكل منهجي، كيفية التعامل مع الحوادث الأمنية الطارئة كالخطف والاعتقال،
والاحتجاز التعسفي، الآليات الأمنية المشتركة بين الوكالات، خطط الطوارئ،
نظم الإنذار المبكر، وإشكالية إدارة العمليات الإنسانية عن بُعد وغيرها مما
سيكون موضع تفصيل في القسم الثاني.
على الرغم من أن
وسائل الحماية الذاتية أو كما تسمى المنفعلة، كالشرعية، المصداقية، حتمية
الوعي بالأوضاع والوقاية الأمنية السابقة بإمكانها توفير نوع من الحماية،
إلا أنه في الآونة الأخيرة وبعد أن فقدت المنظمات أهم عنصر من عناصر
حمايتها الأمنية ألا وهو "القبول" المحلي، لم تعد الوسائل السابقة تكفي بما
يلزم وازداد التوجه إلى محاولة اكتساب الحماية عبر وسائل عملية أخرى يعبر
عنها بالحماية الفاعلة. أي اللجوء إلى الشركات الأمنية الخاصة التي طرحت
جدلاُ واسعاً حول إشكالية العلاقة بين الضرورة والشرعية، بحيث ستكون مثار
بحث وتفصيل في القسم الثالث من حيث الوضع الحالي، النشأة التاريخية ومراحل
تطورها، وجهات نظر القانون الدولي الإنساني، ومحاولات إضفاء الشرعية على
وجودها سواء عبر إقرار وثيقة مونترو أو مدونة السلوك العالمية، والدور الذي
تلعبه الولايات المتحدة في خصخصة الأمن ودورها الخفي في محاولات عسكرة
العمل الإنساني.
الإرهاب الجديد؟ أو
الإرهاب الموجه للعمل الإنساني بالتحديد، هذا المفهوم الذي يحاول البعض
إدراجه عبر تحليلات ساذجة للحوادث الأمنية بالاعتماد على جنسيات المستهدفين
فقط، بهدف الوصول إلى توافق حول فكرة أن العنف يحتاج إلى عنف مضاد، بمعنى
إدماج الإنساني بالعسكري، بينما البعض يعارض ذلك بشدة، ويجدها نقطة تزيد من
النظرة السلبية للعمل الإنساني.
أما نقطة الخلاف
الأخرى بذات السياق فهي حول تأثير المعونات على العمل الإغاثة فيما إذا
كان عاملاً مخففاً أو مفاقماً للحوادث الأمنية عبر الإرهاب، وذلك ما سيكون
موضع نقاش في القسم الرابع.
وكما في التقرير
السنوي الأول، عمل المكتب الدولي على مدار العام في محاولة رصد الحوادث
الأمنية، وتوثيقها والتأكد منها، لم يكن ذلك بالأمر البسيط، ولم نكن نتمكن
دائماً من التحقق من نتيجة حادث ما كالخطف مثلاً، إلا إذا أدى لمقتل
المخطوف أو الرهينة كما حدث لدى تحرير عاملة الإغاثة البريطانية ("ليندا
نورجوف") وقتلت أثناء تحريرها وكما قيل بنيران صديقة؟ بحيث لاحظنا بأن
وسائل الإعلام المرئية لا تزال قاصرة في المتابعة، ولا يزال هذا الموضوع
لا يلقى الاهتمام اللازم، ويعتبر مجرد خبر ملحق للأسف. إلا أن بعض
المنظمات الغربية ولحسن الحظ بدأت بالاهتمام، وبمحاولات جادة للتوثيق
والمتابعة، عبر إنشاء شبكات تواصل وتبادل معلوماتي جيد، وقد استعنا بالعديد
من هذه الشبكات، في محاولة للتوصل إلى إحصائيات ومعلومات تمكننا من معرفة
المستويات الأقرب للواقعية، كما سنرى في القسم الخامس فإن معدل الحوادث
الأمنية هذا العام مقارنة بالعامين 2009- 2008 شهد انخفاضاً طفيفاً لا يعكس
تحسناً بالنسبة للوضع الأمني بالضرورة، إنما قد يعكس تراجعا في أداء
العمليات الإنسانية عبر تقليص تنفيذ البرامج الإنسانية أو الانسحاب الجزئي
أو الكلي، أو استخدام نظام الإدارة عن بُعد.
بعد هذا العرض
الموجز، نستطيع القول أن المتغيرات السياسية الدولية والإقليمية، وساحات
الصراع العنيفة والمفتوحة في العديد من المناطق بموجب هذه الاستراتيجيات
من كافة أطراف الصراع، تتحمل مسؤولية التدهور الأمني الذي أصاب العمل
الإنساني، والذي أيضاً يتحمل بعض المسؤولية عبر سلوك بعض المنظمات، التي
لعبت بوعي أو بدون وعي، دوراً مزدوجاً خدمة لمصالح الغير. لذلك فإن جميع
المحاولات الساعية إلى تحقيق الحماية عن طريق السلاح فقط لن تكون من وجهة
نظر المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخيرية ذات جدوى، فتحقيق أمن
وسلامة العمل الإنساني يحتاج إلى تضافر الجهود والعمل الحثيث من أجل العودة
إلى السلوك المهني القويم للعمل الإنساني، والالتزام الحقيقي بمبدأ
الأمانة، الشفافية، الاستقلالية، وعدم الانحياز، فهم الضامن الشرعي لأمن
وسلامة العمل الإنساني.
عودة |