صراع  الحضارات أم الجهاد على الطريقة  الأمريكية ؟

  د منصف المرزوقي 

ابحث في الصفحة
=============

يقول المفكر الفرنسي الكبير'' الثوسر'' أن المعارك النظرية هي معارك سياسية في الفكر . فالإنسان عندما يدافع أو  يفرض رؤيا معينة فإنه يدافع أو يفرض خيارا سياسيا  وهذا الخيار ينطلق دوما من قراءة للظواهر وكيفية لتنظيمها تحرّكها إرادة التفويض لأهداف واعية أو مطمورة. و الفرق الوحيد بين العلم والإيديولوجيا أن تنظيم الظواهر يقع في العلم  وفق قواعد المنطق ثم يأتي الاستعمال في حين تنطلق الإيديولوجيا من التفويض لترغم الظواهر على الانخراط في الشكل الذي تريد أن تعطيه لها.

وتشكل من هذا المنطلق نظرية الأمريكي صامويل هنتنجتون النموذج على هذا النوع من الفكر الإيديولوجي حيث تتم قراءة الظواهر وفق مخطّط سياسي مسبق هو التشريع للجهاد على الطريقة الأمريكية  ليصبح لإرادة الهيمنة مبرّر نظري يضفي عليها شرعية المسلمات التي تفرض نفسها بنفسها لأنها الحقيقة العلمية .

ولن نكلف أنفسنا دحض الأسس النظرية لمقولة صراع الحضارات بل سننطلق من الظواهر التي تقرأها الرؤيا لنبين كيف نستطيع تنظيمها نحن ،  بكيفية تسمح لنا بالتنظير  لمشروع سياسي مناقض لمشروع هيمنة ''البنتاجون'' الذي يشكل هنتنجتون مفكره غير الرسمي ولكن المؤثر.

*

لنذكّر أن'' هنتنجتون'' يقسّم الإنسانية إلى ثماني حضارات: المسيحية الكاثوليكية والمسيحية الأرثوذكسية والإسلامية والبوذية والكونفشيوسية  والجنوب أمريكية والهندوسية واضعا موضع التساؤل وجود حضارة زنجية افريقية.

لنفتعل قبولنا بهذا التقسيم على علاته الواضحة ولننطلق منه لاستعماله لمشروعنا السياسي الخاص.

 تتشكّل الحضارة  بمفهومها الأوسع من مجموعات بشرية تحتلّ موقعا معينا من الفضاء والزمان،  تجمع بينها ثقافة مشتركة أي جملة المعتقدات والمواقف والتصرفات والقيم والتقنيات  التي تميزها عن حضارة مختلفة فتعطيها هويتها .

ولو طبقنا تعريفنا هذا على أي مجموعة بشرية بغض النظر عن حجمها لاستطعنا أن نقول أنه يوجد في مدينة نيويورك حضارات تختلف من حيّ'' هارلم'' إلى حيّ ''البرونكس'' أو حيّ ''الكوينز'' . وقد يحتجّ علينا أحد بالقول أن نبالغ بتسمية  حضارة '' هارلم'' أو ''البرونكس'' انطلاقا من تشابه السكان في جزئيات وتباعدها في تفاصيل أخرى، فهذه المناطق هي أجزاء من كلّ هو الحضارة الأمريكية التي هي بدورها جزء من الحضارة الغربية.

 وهذا بالضبط ما نريد أن نخلص إليه. فنحن أمام أجزاء صغيرة  داخل  أجزاء كبيرة  داخل أجزاء أكبر. إن القضية بالأساس مرتبطة  بمستوى الملاحظة كما هو الحال في المراقبة الجوية . فإن أنت كنت قريبا من الأرض تبلورت لك المظاهر في شكل غير الذي تتّخدّ وأنت تشاهدها من علوّ عشرة آلاف متر وهي بالطبع جدّ مختلفة وأنت تبصرها من الفضاء.

معنى هذا أن تقسيم ''هنتنحتون '' للحضارات ناجم عن موقع مراقبة اختاره مسبقا حتى تتبلور المظاهر التي هو بحاجة لإبرازها لتبرير سياسة معينة. 

لنرتقي الآن إلى موقع مشاهدة أعلى من الموقع الذي توقف عنده الرجل بحثا عن القواسم المشتركة التي توحد بين الأجزاء مهما كبر حجمها لتندمج في شكل اكبر يحتويها كما احتوت الحضارة الأمريكية حضارة '' هارلم'' وكما احتوت الحضارة الغربية الحضارة الأمريكية.

إن البحث عن القواسم المشتركة التي يمكن أن تجمع بين الحضارات التي جزّأتها نظرة هنتجتون ستظهر بوضوح أن الحضارة العربية الإسلامية  والحضارة الغربية تنتميان إلى جسم واحد يمكن تسميته بالحضارة المتوسطية ويشكل الغرب الحالي جزئها الشمالي بينما تشكل الحضارة العربية جزئها الجنوبي. وليس من الصعب التدليل على موضوعية هذا التقسيم الجديد من موقع المراقبة الأوسع والأرفع الذي اخترناه. فمن يستطيع إنكار  الجذور المشتركة للحضارتين وهما تتقاسمان نفس الإرث المصري والاغريقي القديم  ونفس العنصر الديني التوحيدي . لنذكّر هنا بنظرية ''فرويد'' التي تجعل الديانات الكتابية الثلاث تنحدر من أصل واحد هو دين'' أخناتون'' أول من نادى بالتوحيد.من يستطيع أن ينكر كذلك  التلاقح المتواصل بين الحضارتين ؟  فلو  لم يحافظ العرب على التراث الإغريقي لنقله لأوروبا لربما تلاشى وهم  لم يحافظوا على هذا التراث إلا لقربه منهم و إلا ما كانوا أعاروه أدنى اهتمام . إن كل من يعرف شعوب حوض البحر الأبيض المتوسّط يدرك عمق الشبه بينها في عاداتها وتقاليدها بالرغم من اختلاف اللغة والدين لأن الدعامة الصلبة التي بناها تاريخ عمقه خمسة آلاف سنة واحد  وعلى هذه الركيزة الواحدة تطورت التباينات. ومن وجهة نظر التاريخ فإن هذه الحضارة المتوسطية،  أم الحضارتين،  هي التي توسعت في حلقات متزايدة القطر لتحمل للسلاف الفن الإغريقي والفن المعماري العربي لأمريكا الجنوبية والمسيحية،  هذه الديانة الشرقية،  إلى ضفاف بريطانيا  أيرلندا ثم إلى ما يسمى اليوم بالولايات المتحدة. إن الحدود الحقيقية بين الشرق والغرب لا تمرّ في منطقة الشرق الأوسط وإنما على حدود الهند حيث تبدأ فعلا حضارة متميزة باختلافات جذرية عن الحضارة المتوسطية أهمها الدين والفلسفة والعادات.

ومن نافلة القول أننا نستطيع توسيع رقعة الملاحظة والارتفاع بمستواه إلى علوّ أكبر كما يفعل البصر وهو ينتقل من الرؤية من الطائرة إلى الرؤية من المكوك الفضائي .آنذاك يتضّح أن كل الحضارات الإنسانية واحدة في منظوماتها الأساسية خاصة إن قارناها بما يصعب تسميته بالحضارات الحيوانية أي بطرق عيش الكائنات الحية التي تقاسمنا الأرض والتي يكتشف العلم يوما بعد يوم أنها أبعد ما يكون عمّا نلصقه بها من وحشية وبدائية وبساطة.

إن هذه النظرة التي تبحث عن القواسم المشتركة لا عن الحدود المصطنعة،  هي كما قلنا منذ البداية خيارنا السياسي الذي وظّفنا بموجبه معطيات تاريخ وجغرافيا يمكن أن نقوّلها الشيء ونقيضه.

 يبقى علينا التعامل مع الجزء الثاني من رؤيا ''هنتنجون'' أي قضية الصراع الذي يفترض فيه أنه حتمي وضروري ولا يمكن تفاديه وأنه يجب أن نعدّ له العدّة للبقاء والوجود. إن هذا الجزء من الرؤيا هو بيت القصيد ولا بدّ هنا من التركيز مرّة أخرى على البعد السياسي لها فليس من باب الصدفة أن تكون النظرية حجر الزاوية في السياسة الأمريكية.

فعلى سبيل المثال لا بدّ أن تبدو الصين التي تهدّد أولوية الولايات المتحدة الاقتصادية كلاّ متجانسا ولا بدّ من بلورة  حضارة إسلامية رغم تعدّد مكوناتها وصراعاتها الداخلية حتى يوجد العدوّ الذي تحتاجه العسكريتاريا الأمريكية لتبرير وجودها بعد اختفاء البعبع الشيوعي. ولو عدنا لخطابات الرئيس بوش لاكتشفنا أنها تنضح بهذا الموقف ، فكلنا يذكر زلة اللسان الشهيرة أعقاب الحادي عشر من سبتمبر حول الحرب الصليبية التي يجب أن تشهر على الإرهاب ثم وقع التراجع السريع في استعمال المصطلح لكن بوش بقي مصرّا على عقلية الحرب الصليبية حيث يرى  أن الحرب اليوم هي بين قوى الخير وقوى الشرّ وأنه لا وجود فيها إلا لعدوّ أو حليف.

 صحيح أن الإدارة الأمريكية تردّد طول الوقت أن حربها مشهرة ضدّ الإرهاب وليس ضدّ الحضارة العربية الإسلامية لكن العرب والمسلمين مقتنعون بالعكس لأن الكلمات المعسولة لا يمكن أن تغطي على السياسة الصارمة التي تريد التحكّم ليس فقط في الموارد البترولية لهذه الأمة وإنما في برامجها الدراسية وفي الواقع فإن الإدارة الأمريكية تريد أن تجعل منا حضارة   تحت الانتداب  وهو طموح سيتضح  سخفه. 

 ومن نافلة القول أن  الإيمان بأنه لا حلّ أمام التناقض الجذري بين المتنازعين  سوى صراع الوجود، تشريع للعدوانية.وهذه النظرة الداروينية مرعبة من جهة  لما تحمله في طياتها من عنف مدمر ومشرّع لموبقاته من قبل ذاته ومن جهة أخرى لخطأها الكامل الذي يجعل ما تتسبّب فيه من عذاب للبشرية بدون ضرورة أو جدوى وإنما عربدة الهذيان وقمة الهوس.

 وبخصوص  هذه النظرية التي يحاول هنتنجتون تسويقها في ميدان الحضارات بعد أن سوّقها منظّروا أقصى اليمين الأوروبي  في ثلاثينينات القرن الماضي لتبرير المشروع البربري للنازية ، يقول كثير من علماء البيولوجيا بقصورها حيث لا يمكن للصراع وحده أن يفسر بقاء جنس ما وإنما يجب أن يكون هناك قدر كبير من التعاون داخل أفراده  وثمة أكثر من صلة  تعاون تربط  بين أجناس حيوانية مختلفة لتقاسم مشقة الوجود. 

إن سذاجة التصوّر وحتى بدائيته لا تخفى على من يتأمل التاريخ .صحيح أنه حافل بالمعارك والصراعات ، لكن مفكّر البنتاجون نسي أن يستعمل علما من بين العلوم المفضلة لدى علماء الستراتيجيا الكونية أي الإحصائيات . فلو طبقها بحثا عن تكلفة الحروب من القتلى  بين الحضارات كما عرّفها بالمقارنة مع ما كلفته الحروب الأهلية لاكتشف أن الحرب الأهلية الأمريكية في القرن التاسع عشر كانت المحرقة التي حصدت من الأرواح الأمريكية أكثر من كل الحروب خارج الحدود على يوم الرحمان هذا. ولو قارن بين تكلفة الحروب الأهلية الأوروبية ومنها  ما سمي خطأ وتجاوزا الحرب العالمية الأولى والثانية بالمقارنة مع تكلفة حروب أوروبا وبقية العالم لاكتشف نفس الحقيقة المدهشة . وهذه قاعدة هامة فالحروب الأهلية العربية على مرّ تاريخنا كلفتنا أكثر بكثير من كل حروب الفتح والدفاع ضدّ الأمم  الأخرى.

وحتى لا نتهم بالتجنّي على التاريخ في محاولة تفويض ساذج  لقراءتنا  السياسية،  أسارع بالقول أننا لا نجادل في كون التاريخ البشري تاريخ دموي حافل بالصراع وإنما نركّز فقط على حقيقتان لا جدال فيهما الأولى هي التي تعرضنا  لها والثانية أن الصراع سواء كان بين الأفراد أو الشعوب أو الحضارات هو النصف الفارغ من الكأس .أمّا النصف الملآن فهو التعاون المتواصل بين هؤلاء الأفراد  والشعوب والحضارات ولولاه لاستحال العيش.

فالقاعدة الكبيرة الأخرى التي عرفها التاريخ هي التلاقح والتواصل بين الشعوب والحضارات إلى درجة أنه يمكن القول أن الصراع ليس إلا وسيلة في خدمة  هذا الهدف الذي يتحقق  سلما وببطء اغلب الوقت وعبر لقاءات عنيفة وانفجارية مهمتها الأساسية فتح الطريق للتبادل وزيادة حجمه ورفع العوائق في وجهه . ومعنى هذا أن قدر الحضارات ليس أن تتصارع من أجل البقاء والأولوية وإنما أن القوّة الخفية التي تحرّكها تدفعها للتلاقي والتبادل ولو بثمن الصراع أحيانا.

إن  الحضارات الوهمية  التي يتحدّث عنها ''هنتنجتون ''  هي كيانات لها حدود واضحة ولها نقاء يشكل ما تتميز بها وفي حال الحضارة الغربية ما تمتاز به . أما الحضارات الحقيقية فهي  بدون حدود  و  بدون نقاء حتى وإن كانت لها خصائص مميّزة. فهذه حضارة الشرق الأقصى التي يسميها البوذية تستورد حجر الزاوية فيها أي بوذا من الحضارة الهندوسية وها هي الحضارة الغربية بمفهومها العادي تبني لعصور أهم ما فيها على ديانة مستوردة من فلسطين . و لا يخفى اليوم على أحد ما تدين به الحضارة الإسلامية للإغريق وحتى للهند الذي أخذت منها أرقامها . ونحن اليوم في عصر تكثّف فيه هذا  التداخل الحضاري بكيفية أصبحت تستعصي على الفصل وكل محاولة من هذا القبيل ستكون بمحاولة فصل توأمان ولدا بجدع واحد.

إن كل القائلين بصراع الحضارات في ورطة لا مخرج منها اليوم. إن الإسلام يقرن خطأ في الذهن الغربي بالعرب وفي هذا جهل من جهة  بأننا أمة تتكون من أغلبية مسلمة وأقلية مسيحية  ومن جهة أخرى بأن هناك، بالرغم من المحافظة  على الثوابت الأساسية  ، إسلام أيراني جدّ مختلف عن الإسلام العربي الذي يختلف بدوره عن إسلام إفريقيا السوداء أو إسلام اندونيسيا  ناهيك عن إسلام سود أمريكا. وقد تأقلم الإسلام دوما مع الشعوب التي انتشر فيها ليطبعها بطابعه ويتأثر بها في إطار قانون التلاقح الحضاري مثبتا  مرونته التي مكنته من التواصل عبر القرون في بيئات حضارية مختلفة . إن وجود أكثر من عشرة مليون مسلم داخل البلدان الغربية واكتساب الأغلبية لجنسية بلدان التواجد وتتابع أجيال مسلمة الأصول ومرتبطة بمسقط الرأس،  لا يعني شيئا آخر غير نشأة إسلام غربي سيتشبع ببيئته الغربية ويفعل فيها فعله البطيء العميق مصبحا جزءا لا يتجزّأ من ثقافة غربية لم تكتمل بنيتها  وإنما هي ككل الثقافات بناء مستمرّ لن ينتهي إلا بنهاية التاريخ.

وإنها نفس الورطة التي يجد فيها أنفسهم منظرو العداء للغرب عندنا،  فهم ينسون أن كثيرا من أفكار وتقاليد وعادات الغرب قد أصبحت جزءا لا يتجزّأ من عاداتنا وتقاليدنا وأفكارنا،  كما يتناسون أن الغرب في المطلق لا يوجد مثلما لا يوجد إسلام في المطلق .ففي الحالتين نواحه بأن هذا الآخر الذي نريده عدوا واضحا بحدود واضحة هو جزء من الكيان الداخلي فكيف نصارعه وهو في قلب ما نعتقده خصوصيتنا التي نتميز بها عنه ؟

ولا بدّ هنا من التعبير عن الرفض المطلق ليبس فقط لنظرة هنتجتون للعالم وإنما لشبيهها ونقيضها أي نظرة بن لادن عندما يقدم هو الآخر الصراعات السياسية الحالية كصراع الإسلام ضدّ النصارى واليهود.

 فالنصارى  ليسوا فقط سكّان الغرب المكروه وإنما جزء لا يتجزّأ من الأمة العربية وهل يمكن تصوّر الحضارة العربية اليوم بدون جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وفيروز ناهيك عن الأخطل وغيرهم كثيرون حاضرا وماضيا ومستقبلا. إن الصراع اليوم ليس الصراع الخير ضدّ الشرّ بقدر ما هو صراع المنطق والمعرفة  والتحليل ضدّ التعصّب   والجهل والتبسيط والتعميم  أيا كان المصدر. ونحن اليوم أمام هجوم كاسح لمثل هذا التفكير الذي يجعل من كل مسلم إسلاميا ومن كل إسلامي  إرهابيا  وهو موقف بذكاء قائل في السبعينيات أن كل روسي شيوعي وكل شيوعي من الخمير الحمر. وبالمقابل لا يجوز للعرب والمسلمين أن يتحدثوا عن الغرب ككل وعلينا أن نفرّق دوما بين مستويات ثلاثة له   

وهي  القيم والإنجازات  الحضارية التي لنا الحق في الأخذ منها و الأنظمة السياسية  وخاصة الإدارة الأمريكية التي  تدعم السفاح شارون و الدكتاتوريات  العربية  و تخصص للديمقراطية العربية صدقة تافهة  وأخيرا و ليس آخرا المجتمعات المدنية التي هي حليفنا الأول ضدّ  استبداد حكامنا ونزعة الهيمنة عند حكامهم ، هذه المجتمعات المدنية التي تتظاهر ضدّ العولمة المتوحشة وضدّ الحرب المتوقعة على العراق  وضدّ سياسة الإبادة لشعبنا العربي في فلسطين .

                                                                         *

إن النتيجة المنطقية الوحيدة التي نستطيع استخلاصها من التاريخ  أن الحضارات البشرية في صراع وفي حوار لا يفتران ، أن صراعها حوار وحوارها صراع ، أن التشابك والتداخل والتبادل قانون القوانين وأن محاولة إيقاف هذا التلاقح كمحاولة التعرّض للألواح المتحركة التي تحمل القارات .

ومن هذا المنطلق نكتشف عمق فكر المشرّع العالمي الذي ما انفكّ منذ خمسين سنة يدبّج الإعلانات والمواثيق الدولية التي تحاول تنظيم هذا التلاقح بين مختلف مكونات الحضارة الإنسانية .

وهو تعرّض بإسهاب للموضوع أساسا في الإعلان العالمي  للتبادل الثقافي. 

يدير المشرع العالمي ظهره لكل المتخاصمين المنتصرين لصفاء و أفضلية خصوصيتهم العرقية  أو العقائدية . يضع صراعهم على مسؤولية نضج لم يصلوا إليها بعد.

هو يعلن مبدأيا حياده في المعركة الضروس بين الخصوصيات يرد بدون كلل أن لا إشكالية له مع نوعية هذه المنظومة الفكرية أو تلك في أحقيتها بالصدارة و اقترابها من الحقيقة المطلقة و علاقتها الخاصة و المتميزة و المباشرة بالقوى الغيبية الخ ...فكل المنظومات الفكرية و الدينية بالنسبة إلية شرعية واردة مقبولة .

يلغي المشرع  بجرة قلم أهم إشكاليات في المقول و الامقول أي رتبة خصوصيتهم الثقافية في سلم التفوق الوهمي.

واجه أبو العلاء  خصام الخصوصيين بسخريته اللاذعة  واضعا في نفس السلة عابد النار و لاثم الحجر و المغتسل ببول البقر و شتم هذا الذي يزعجه بدق الجرس وذاك الذي يقض مضجعه بالصياح كل فجر من مئذنة .

و العقل يعجب و الشرائع كلها         خبرا يقلد لم يقسه قائس

متمجسون و مسلمون و معشر      متنصرون و هادئون رسائس

وبيوت نيران تزار تعبدا            ومساجد معمورة و كنائس

واجه ابن المقفع الإشكالية بنفس الاستهجان لكن بوقار الفيلسوف .

" فلم يجد أحد منهم يزيد عن مدح دينهم و ذم ما يخالفه من الأديان فاستبان لي أنهم بالهوى يتكلمون لا بالعدل فلم أجد إلى متابعة أحد منهم سبيلا ".

وواجه ابن عربي الاختلاف  بسماحته الكبرى .

لقد صار قلبي قابلا كل صورة        فمرعى لغزلان و دير لرهبان

وبيت لأوثان و كعبة طائف          و ألواح توراة و مصحف قرآن

أدين بدين الحب إني توجهت        ركائبي فالحب ديني و إيماني

والمشرّع العالمي على هذا المبدأ وإن لم يجاهر به صراحة حيث يقول : " لكل ثقافة كرامتها و قيمتها ويجب احترامها والمحافظة عليها ".

نحن أمام موقف واضح لا يحتمل تأويلا أو تشكيكا، فالمشرع لم يستثني أي ركيزة للخصوصية، و لم يفضل ثقافة على أخرى و إنما أقر بكامل الجرأة أن للثقافة الغربية و ثقافة قبائل الأوفامبو في صحاري جنوب القارة الإفريقية نفس الكرامة و نفس القيمة و أن احترامها والمحافظة عليهما مهمة لا يختص بها أحد و إنما هي مهمة الجميع .

تسقط الحجة السهلة أن حقوق الإنسان  هي الوجه الآخر  لخطاب المركزية الغربية . يضيف المشرع العالمي :''من حق كل شعب و من واجبه تطوير ثقافته''

الكلمة الهامة هي طبعا كلمة الواجب فالمشرع لا يطلب من أي ثقافة الإنضواء تحت راية ثقافية رائدة، منتصرة ، متفوقة ، مرجعية ، متقدمة ، أكثر فعالية و إنسانية  الخ ...، إنما هو يطالب على العكس الأمم و الشعوب بتطوير ثقافتها أيا كانت، بتعميقها، بتجديدها، بتوسيعها، بإثرائها، بفتح للآخرين و على الآخرين .

و لما هذا ؟ لأن له رأيا واضحا في العالمية التي يطمح إليها إذ يقول : " تشكل جميع الثقافات بما فيها من تنوع وخصب

و ما بينها من تباين و تأثير متبادل جزءا من التراث الذي يشترك في ملكيته البشر جميعا " .إن الهوية الجديدة التي يعد لها فكر حقوق الإنسان  ليست نقضا للطبقات التحتية التي تشكلها من شعور بالانتماء إلى العائلة و القبيلة و الوطن و الأمة وإنما إضافة طابق علوي هو الشعور بالانتماء إلى الإنسانية جمعاء .

أما العالمية كما يتصورها و يحرص عليها المشرع فليست سيادة  النمط الواحد الغالب المهيمن و إنما تمازج و تعايش

و تزاوج الخصوصيات و توليد أكبر عدد ممكن من الأنماط الهجينة التي تزيد في ثراء التنوع و خصبه .

ولا بدّ من التمعّن في مقولته : " جميع الثقافات جزء من التراث الذي يشترك في ملكية البشر جميعا "

 وهو يركز في فقرة أخرى على نفس  الفكرة. " عليها ( الأمم ) بأن تتقاسم ما لديها من علم و معرفة ". يأمر المشرع الأمم إذن أن تكف عن اعتبار ثقافتها ملكا لها بل يطالبها " بأن تنظم المبادلات بروح السماحة و العطاء المتبادل " .

إن موقف المشرّع العالمي بما هو منظر حوار الحضارات هو موقفنا لا فقط لأنه يفضل السلم على الحرب والتبادل على التناحر وأن كل هذا قيم جميلة ومثالية وطوباوية بل لأن حالة التشابك والتداخل التي أدت إلى عولمة المشاكل ومن ثمة عولمة الحلول لا تسمح اليوم بغير هذا الطريق. أما منظرو الصراع فهم متخلفون عن واقع زمنهم وفي صراع مع ما يتطلبه الوضع الحرج لإنسانية  مواجهة أكثر من أي وقت مضى بخيار مصيري هو أن ننجو معا أو أن نغرق معا لأن المركب واحد والعواصف واحدة ولا مجال لأحد أن ينجو على حساب أحد إلا لفترة تنقص مدتها باحتداد الأزمة البيئية والأزمة الاقتصادية والأزمة السياسية التي يتخبطّ فيها العالم . ونحن المدافعون عن  حقوق الإنسان في العالم العربي اخترنا أن نكون في صفّ الصراع بالحوار لأيماننا أنه ما تتطلبه منا المرحلة التاريخية غير جاهلين بأن هناك قوى أخرى تفضل الحوار بالصراع وتتأهب لإغراق العالم في حرب  عقيمة بين إرهاب الدولة و إرهاب الجماعات اليائسة .

وفي هذه الظروف العصيبة لا بدّ لنا من مضاعفة الجهود لنقوم بدورنا في إطار مجتمعاتنا المدنية العربية الإسلامية وبالتعاون مع المجتمعات المدنية في الغرب وفي أنحاء العالم  لنمنع وقوع المحظور ورأب الصدع إن حصلت الحرب في العراق وتواصلت مأساة الشعب الفلسطيني البطل حتى   لا يطغى صوت هنتجتون على صوت المشرع العالمي وحتى لا تجعل الإدارة الأمريكية والشركات الدولية التي تمثلها من العالم غابة يأكل فيها القوي الضعيف بحجة قدر على الطريقة  الداروينة .

 عودة               

الصفحة الرئيسية

انتهاكات الجمعيات

انتهاكات العاملين

مكتبة فنية

مواقع صديقة

طلب عضوية

لمراســـــلتنا

 

all rights reserved to international bureau of humanitarian ( I B H )  2004 - 2007 © جميع حقوق النشر محفوظة لموقع المكتب الدولي 

www.humanitarianibh.net          ibh.paris@wanadoo.fr

Tel&Fax: 0033147461988