|
7 – 10 / 9 / 2007م
استانبول
مثّلت
أحداث 11 أيلول (سبتمبر) فرصة ذهبيّة لإدارة بوش أتاحت لها إقناع الرأي
العام في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وكذلك أوروبا، بضرورة شنّ ما يشبه
الحملة الصليبيّة لتحقيق أهداف الإمبراطوريّة. ولقد أعيد ابتكار مصطلح
"الإرهاب" بصياغة بارعة.
فهو
مصطلح غامض يسمح ببثّ
الرعب. وهو قابل لكلّ تأويل ويمكن تطبيقه على كلّ هدف محدّد، حسبما تقتضيه
الظروف والحاجيات.
وبذريعة
محاربة الإرهاب، حدث غزو أفغانستان، وكذلك استُعمِر العراق في العام 2003،
بل
شرّع
لتدميره
كما شرع لاحقاً تدمير
لبنان، والمجاهرة بالعمل على ارجاعهما ربع قرن إلى الوراء. و شُرّع
كذلك
للقتل المباح والممنهج لناشطي حركة حماس
الفلسطينيّة وأعضاء حزب الله اللّبناني. كما مورس إرهاب حيال كل ممانعة
مدنية بحجة تقديم العون للأعداء،
وكل حركة مطلبية أو سلمية بدواعي الأمن.
وقد
طالت هذه الإجراءات تجمعات حركة العولمة البديلة في الغرب المكونة من
نقابات وجمعيات مجتمع مدني وأحزاب ونشطاء بيئيين وحقوقيين وحركات مناهضة
للحرب، وأرغم عدد من المنظمات الشبه حكومية على التوقف عن العمل.
ولم
يكن الدّفاع عن "المعايير
الكونيّة" للديمقراطيّة سوى وسيلة من بين الوسائل الضروريّة لتحقيق هدفيْن
أساسيين للإمبراطوريّة العالميّة وهما وضع حاجز يفصل بين آسيا وأوروبا،
وضمان تحالف الأوروبيّين وذلك بتخويفهم وإشراكهم بصورة فعليّة في
استراتيجية الإمبراطوريّة التي عرّفها برجنسكي
حين قال
" أنّ المتطلّبات الجيو-استراتيجية الثلاث للإمبراطوريّة هي
-
ترسيخ تبعيّة البلدان وتجنيّبها الصدام ضمانا للأمن والاستقرار،
-
الحفاظ على الأنظمة
الحليفة وحمايتها،
-
منع البرابرة من
التوحّد".
فزاعة
الاسلام
من هنا
مثل الخلط بين الإرهاب
والإسلام السلاح الناجع والفعّال في هذه الحرب.
بهذا الصدد
يجزم هانتنغتون، ويشاركه في هذا الرأي
آخرون، أن "المعضلة الرئيسية بالنسبة للغرب لا تتمثل في الأصولية الإسلامية
وإنما في الإسلام كحضارة مختلفة، حيث يعتقد ممثلوها بتفوق ثقافتهم. وحالياً
تُرَوّج جلّ الكتابات
لصورة تدمج الإسلام والحضارة والمجتمعات
وترصهم في كتلة واحدة متجانسة، غير قابلة للتطور وبالتالي غير مؤهلة
للانصهار في الحضارة العالمية.
يُراد
للإسلام إذن
أن يكون كبش الفداء بعد سقوط
الاتحاد السوفياتي.
و
نجد آثار هذا النشاط العدائي المحموم للقوى الاستعماريّة في دعوة إليوت
كوهين Eliot Cohen،
مدير "معهد الدّراسات الاستراتيجيّة" وصديق بول فولفيتز، لشنّ ما يسمّيه
"الحرب العالميّة الرابعة". يقول كوهين: "عدوّنا ليس الإرهاب وإنّما
الإسلام النشط". هكذا إذن تُلخّص القضايا الدوليّة بكلّ بساطة في تحويل
الإسلام إلى شبح رعب، بعد وصمه بالإرهاب، كما بدا جليّاً في فم بوش الابن
وهو يتحدث عن "الفاشية الإسلاميّة"
أن المعركة
التي تخوضها قوى العولمة البديلة ضد الحرب على الإرهاب والتي عبرت عنها
أكثر من مرة في المنتديات الاجتماعية إنما تعود لرفضها قبول
منطق
القوة والهيمنة وإذلال الشعوب باسم الأمن العالمي والتي كان من ابرز
نتائجها عسكرة العالم والعودة إلى سياسة وضع اليد على ثروات الشعوب
والاختراق الممنهج والمتصاعد لكل ما حققته الحركات المطلبية الشعبية في
معارك الدفاع عن الحريات والحقوق المواطنية الديمقراطية والاجتماعية
الأساسية، على صعيد حماية الأفراد والشعوب، مثل حق العيش الكريم وحق
التعليم وحق العمل، والضمانات الصحية وتوفير الأمن الغذائي، وحق حيازة
الثروات العامة مثل المياه، والحريات (حرية التعبير والتعددية واحترام
ثقافة الآخر)
...
على
مستوى الحريات تم خلال
السنوات الخمس الأخيرة، وبدعوى الحرب على الإرهاب،
استصدار قوانين استثنائية
تضرب في الصميم منظومة السلم والأمن العالميين.
( لن أتعرض
هنا إلى عشرات القرارات الخطيرة التي صدرت في هذا الشأن سواء من قبل مجلس
الأمن أو حكومات الدول الغربية والأنظمة الملحقة بها في منطقتنا
وهي تشكل
تهديداً خطيرا لحق الشعوب بالسلم والاستقرار.
عسكرة
العالم
السؤال
الذي يطرح هنا لماذا هذه العسكرة للعالم؟ ولماذا أدت الحرب المزعومة على
الإرهاب وتؤدي إلى المزيد من العنف؟
في
الواقع هناك رابط عضوي بين العولمة الليبرالية وبين العسكرة المتصاعدة
والحروب المتصلة بقيادة الولايات المتحدة. هذا الرابط يتجسد أساسا في ما
يسمى "حروب بلا حد أو نهاية" في كل أنحاء العالم.
أننا
دخلنا منذ بداية القرن
الحالي،
عهدًا جديداً تميّز بتدعيم الروابط
وتوثيق العلاقات بين النيوليبرالية والهيمنة الواضحة للجهاز المصرفي، من
ناحية، والعسكرة المتعاظمة، من ناحية ثانية.
وتؤكد دراسات اقتصادية جدية أن
المأزق
الذي آلت إليه هيمنة رأس المال المرابي الذي بدأنا نتلمّس آثاره في
الولايات المتحدة ذاتها، يفرض على الطبقات المهيمنة البحث عن حلول تضمن
لها
مصالحها. وهي حلول تستوجب مزيداً من اللجوء إلى العنف.
التوجه
العام نحو "حروب دون حدّ" تأكّده الزيادة المهولة والشاملة في نفقات
التسلّح. لقد بلغت نفقات التسلّح في السنوات
الخمسين الأخيرة مستويات
خيالية، إذا ارتفعت إلى أكثر من 50 % وذلك بزيادة تقدّر بـ 7 % سنويّا.
بلغت ميزانية الدفاع للولايات المتحدة الأمريكية 304 مليارا من الدولارات
في سنة 2001 و351 مليار دولارا سنة 2002 و396 مليار دولارا سنة 2003. الهدف
المرسوم هو تخطّي الـ470 مليار دولارا
هذا العام
2007.
ليس
خفيّا على قوى العولمة
البديلة أنّ اقتران
التبادل الحرّ بالسلم، هو ادعاء كاذب للاقتصاد السياسي المهيمن، فنّدته
الأحداث التاريخية للقرنين الماضيين. والحقيقة بأنّ العولمة (عولمة رأس
المال) أبعد من أن تضمن "السعادة" و"الرفاهية" و"السلام" بل هي تستدعي قبضة
من حديد. إن أحد مكوّنات العولمة هو استغلال الخيرات الطبيعية من طرف
شركات
عالمية وإعادة توظيف المداخيل المتأتية من هذا النهب واستثمارها في الأسواق
العالمية.
فإعادة
صياغة الشرق الأوسط الذي أعلن عنه كولن باول والذي بدأ باحتلال العراق
وتفكيكه، يندرج ضمن هذه السياسة الإمبريالية النيوليبرالية" خطّط لها عديد
المختصّين ولخّصوا مضمونها في العودة إلى نظام "الحماية"
القديم.
فلا
تنصّ نظريّة الأمن القومي للولايات المتحدة والتي ذكّر بها بوش الابن في
سبتمبر 2002، فقط على "الحرب الوقائية" فهذه أصبحت معروفة من الجميع وباتت
تحصيل حاصل. بل هناك أيضا إقرار بضرورة ووجوبيّة الدفاع عن "السلم
والديمقراطية وحرّية السوق والتبادل الحرّ" بصفتها "قيما لا تقبل المساومة"
أي أنّ الدفاع عنها يشرّع التدخّل العسكريّ. لدينا مثال على ذلك بروز مشروع
الشرق الأوسط الكبير الذي يدعو إلى "دمقرطة" المنطقة هذا في الوقت ذاته
الذي تحتلّ فيه الجيوش الأمريكية العراق.
(النفط ومونسانتو)
والحقيقة أن
هذه المعتقدات النيوليبرالية ليست مجرد انحراف ذهني فرضته أحداث أمنية أو
متغيرات عدم استقرار، إنما هي رؤية لما ينبغي أن يتغير في الكون من حقوق
ومن شرائع في سبيل ازدهار مصالح الشركات متعدية الجنسية. فهي لا تكافح
إرهابا بعينه إنما تكافح من أجل عالم ترهبه القوة العارية.
ختام
إن الشعوب
الإسلامية في الشرق الأوسط الكبير واقعة اليوم على الخطوط الأمامية في
إستراتيجيات توسع الإمبراطورية النيوليبرالية للسيطرة على الكون. وكما
تعرضت شعوب أخرى بالأمس القريب في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية إلى
وصمها بالتوحش والتخلف الحضاري، تتعرض الشعوب الإسلامية اليوم إلى وصمها
بالإرهاب وإلى تهشيم معتقداتها الدينية والثقافية طمعا ًَ في احتلال
أراضيها ومصادرة ثرواتها (النفطية خاصة) ولكن أيضاً نظراًَ لحيويتها
العظيمة في الممانعة والتصدي رغم المآسي.
لكن الشعوب الإسلامية لا تتعرض وحدها للتهميش والإقصاء وهدر
الحقوق ولا تعاني وحدها من التوسع الإمبراطوري القديم – الجديد
وإستراتيجيته الأمنية والعسكرية. فالغالبية الساحقة من سكان المعمورة تعاني
بشكل أو اّخر جراء العسكرة والسياسات النيوليبرالية. وقد كانت حركة العولمة
البديلة سباقة في مناهضة الحرب مظاهرات ال 15 مليون عام 2003) وهي إن لم
تستطع وقف الحرب وتغيير السياسات النيوليبرالية لكنها استطاعت المساهمة
بالحد من توسع الحروب والحد من استفحال الإقصاء والتهميش وما زالت تؤمن
بإمكانية قيام عالم اّخر تتضامن فيه الشعوب وتتعايش بأمن وسلام.عالم ويحترم
التعدد الثقافي وحرية المعتقد ثروة إنسانية تتراكم كلما تعايشت. ويرتكز على
الإقرار بالحقوق الوطنية والحقوق الطبيعية والمكتسبة أساساَ للسلم
والاستقرار ولا يفصل القضايا الأمنية عن مقدماتها السياسية والاجتماعية
والاقتصادية.
عودة
|