في رأينا أن ثمة أربعة أدوار إيجابية تقوم بها مؤسسات
المجتمع المدني ذات المرجعية الإسلامي في البلدان العربية والإسلامية، وأن
هذه الأدوار لا تلقى قبولاً من السياسة الأميركية وتراها مهددة لخططها
ومصالحها الإستراتيجية في المنطقة، وهذه الأدوار هي:
1- تجديد الشعور بالانتماء إلى الموحدات الحضارية
الكبرى والمقصود هنا هو تلك العوامل التي وحدت الأمة الإسلامية
وشدت أزرها في العصور السابقة، وفي مقدمها: العقيدة والشريعة واللغة والقيم
الأخلاقية. وقد نبعت من هذه الموحدات منظومة القيم والأخلاقيات والمبادئ
الإسلامية التي تندرج ضمنها القيم والمبادئ التي تحض على العمل الخيري
والتطوعي، التي لا تعترف بالحدود السياسية المصطنعة، ولا بالحواجز العرقية
أو الاختلافات المذهبية.
إن عمل هذه المؤسسات التي هي متنوعة ومتعددة بالضرورة وفق
منظومة القيم الإسلامية التي هي واحدة وموحدة بالضرورة أيضا يعني أن حصيلة
العمل لا بد أن تصب في اتجاه تجديد عوامل الوحدة ودعمها، وتسهم بالقدر
نفسه -ولكن في اتجاه عكسي- في إضعاف عوامل التفرقة القائمة على أسس مذهبية
أو عرقية أو جهوية.
2- تقوية نسيج البنية التحتية لوحدة الأمة
تتمثل هذه البنى في عديد من دوائر الانتماء الأولية التي تبدأ بالأسرة وتمر
بالجماعات الحرفية والمهنية والمذهبية والثقافية والنقابية والاتحادات
النوعية، وتنتهي بالأمة في مجموعها. وفي رأينا أن مفهوم وحدة الأمة يظل
غامضا وهلاميا ما لم يجر التعبير عنه في كيانات فرعية قوية، بحيث يغطي كل
كيان منها مساحة أو مجالا أو نشاطا أو ميدانا من ميادين العمل المتعددة
والمتنوعة.
ولولا وجود المؤسسات والتنظيمات المدنية/ الأهلية لكان من
الصعب جدا المحافظة على التماسك الداخلي بين عناصر الأمة وجماعاتها
المختلفة، ومن هنا يبرز الدور الكبير الذي تسهم به مؤسسات وتنظيمات العمل
الخيري الإسلامي في تقوية نسيج الوحدات الفرعية للكيان الجماعي للأمة، جنبا
إلى جنب مع الدور الذي تسهم به المؤسسات والتنظيمات الحكومية.
3- التعاون بشتى أنواعه
ونعني حفز التعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية الثقافية بين شعوب
الأمة الإسلامية. ويتجلى هذا الدور الذي تسهم به مؤسسات ومنظمات العمل
المدني الإسلامي بشكل واضح من خلال ما تخلقه البرامج والنشاطات والمشروعات
التي تنفذها على المستوى عبر الوطني، وذلك بهدف توسيع نطاق المستفيدين من
تلك المشروعات والخدمات ليشمل عدة دول عربية أو إسلامية أخرى.
وقد شهد العقدان الأخيران ظهور عدد لا بأس به من الجمعيات
والهيئات والشبكات الخيرية/ الأهلية التي تعمل داخل الوطن الأم وخارجه في
عديد من البلدان العربية والإسلامية. وإذا ألقينا نظرة تحليلية شاملة على
برامج ونشاطات مثل تلك الجمعيات والمنظمات والشبكات الخيرية، يتضح لنا أنها
تسهم في تغذية عوامل الوحدة بين شعوب وبلدان العالم العربي والإسلامي من
أكثر من زاوية.
4- التجانس
اي الإسهام في تحقيق درجة أكبر من التجانس في التنشئة الاجتماعية، ولا
يقتصر دور مؤسسات وجمعيات العمل الخيري/ الأهلي فقط على توفير خدمة معينة،
إنما تسهم هذه المؤسسات أيضا بدور تربوي على درجة كبيرة من الأهمية، ويصب
هذا الإسهام في مجرى عمليات التنشئة الاجتماعية التي يمر بها المواطنون،
ويتركز جانب منها على تنمية قيمة العمل الجماعي لديهم وعبر مختلف مراحل
حياتهم.
إن الفرد/ المواطن في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يجد
نفسه عضوا في عديد من الجماعات والتكوينات والتنظيمات، كما أنه يعطي ولاءه
لعدة دوائر في وقت واحد دون أن يشعر بوجود تعارض أو تنازع فيما بين دائرة
وأخرى. وفي الوقت الذي يحمل فيه ميراث وثقافة هذه الجماعات بطريقة تلقائية
فإنه يحمل ميراث وثقافة مجتمعه وأمته الكبيرة التي ينتمي إليها بالطريقة
نفسها أيضا.
وكلما كانت تلك المؤسسات التي ينتمي إليها الفرد أو يسهم
فيها مستندة في عملها إلى المرجعية الإسلامية العليا بقيمها ومقاصدها
العامة، زاد أثر الدور التوحيدي الذي تقوم به في المجتمع من خلال عملية
التنشئة الاجتماعية، والعكس صحيح أيضا.
إن ما سبق لا يعني أن مؤسسات وجمعيات العمل الخيري الإسلامي
أضحت فائقة الفاعلية والكفاءة في إنجاز أعمالها وتحقيق أهدافها، إذ إنها
تواجه عديدا من التحديات الناجمة عن الهجمة الغربية في سياق تداعيات أحداث
سبتمبر/ أيلول، ونعتقد أيضا أن المشكلات الداخلية التي يعاني منها هذا
العمل ومؤسساته ونشاطاته المختلفة لا تقل أهمية عن التحديات الخارجية، بل
إن هذه المشكلات أو التحديات هي التي سهلت نفاذ التداعيات التي حصلت على
العمل الخيري وسوف تسهل التداعيات المحتمل حصولها نتيجة تلك الأحداث، وهذا
هو جوهر التحدي الذي يواجه مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي في
المرحلة المقبلة.